ابن بطوطة
31
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
والبطيخ العجيب الشأن الذي ليس في الدنيا مثله إلّا ما كان من بطيخ بخاري وخوارزم وقشره أخضر وداخله أحمر ، ويدخر كما تدخر الشريحة بالمغرب وله حلاوة شديدة « 101 » ، ومن لم يكن ألف أكله فإنه في أول أمره يسهله ، وكذلك اتّفق لي لمّا أكلته بأصفهان . وأهل إصفهان حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة مشوبة بالحمرة ، والغالب عليهم الشجاعة والنجدة وفيهم كرم وتنافس عظيم فيما بينهم في الأطعمة تؤثر عنهم فيه أخبار غريبة ، وربما دعا أحدهم صاحبه فيقول له : اذهب معي لتأكل نان وماس ، والنان بلسانهم الخبز ، والماس اللبن « 102 » ، فإذا ذهب معه أطعمه أنواع الطعام العجيب مباهيا له بذلك ، وأهل كل صناعة يقدّمون على أنفسهم كبيرا منهم يسمونه الكلو « 103 » ، وكذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات وتكون الجماعة من الشبّان الأعزاب ، وتتفاخر تلك الجماعات ويضيف بعضهم بعضا مظهرين لما قدروا عليه من الإمكان مختلفين في الأطعمة وسواها الاحتفال العظيم . ولقد ذكر لي أن طائفة منهم أضافت طائفة أخرى فطبخوا طعامهم بنار الشمع ثم اضافتها الأخرى فطبخوا طعامهم بالحرير ! وكان نزولي بأصفهان في زاوية تنسب للشيخ على ابن سهل « 104 » تلميذ الجنيد « 105 » وهي معظمة يقصدها أهل تلك الآفاق ويتبركون بزيارتها وفيها الطعام للوارد والصادر ، وبها حمّام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني وهو موقوف في السبيل لا يلزم أحدا في دخوله شيء ، وشيخ هذه الزاوية الصالح العابد الورع قطب الدين حسين بن الشيخ الصالح ولى الله شمس الدين محمد بن محمود بن
--> ( 101 ) يعزون السر في وفرة الفواكه وطيب نكهتها في إصفهان إلى الماء الزلال الذي ينعم به الإقليم . . . - اعتماد السلطنة : مرآة البلدان ص 56 . ( 102 ) ما يزال ( الماسط ) إلى الآن يكوّن المادة الاساسة في المائدة إلى جانب الأرز والبصل النيّئ وقد تعودت على تناول الماسط الغنيّ بمادّته أيام سفارتي في تهران . . . ( 103 ) الكلو ( Kulu ) : أمين السوق وقد يطلق لقب كولو على أيّ الناس تحبّبا ومؤانسة . ( 104 ) يقع ضريح علي بن سهل ( ت 308 920 ) في نهاية محلة تسمى طوقتجى حيث يوجد الجدار القديم لإصفهان الذي لم تبق منه إلا قطعة تقرب قليلا من خندق المدينة المسمّى في عهد السلجوقيين فلفاجي . . . ويلاحظ أن الضريح والقبة لم يبق منهما أثر الآن ، ويعزى ذلك لكون علي بن سهل كان من أهل السنة ، وجل سكان المدينة شيعة . . . وهذا هو الضريح الذي تمنى استاذنا المرحوم علال الفاسي عند زيارته - أن يقوم أحد بتقفي خطوات ابن بطوطة في إيران . - د . التازي : إيران بين الأمس واليوم ، ص 5 / 49 - ملف الأبحاث : مؤسسة علال الفاسي - الرباط ( 105 ) هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي أبو القاسم . . . أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد ، وعده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة ، من كلامه : من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به ) ، أدركه أجله سنة 297 910 في بغداد . . .